روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
72
مشرب الأرواح
الفصل الخامس عشر : في الفلاح لما خلق اللّه سبحانه الأرواح المقربة فناداها إلى ساحة الكبرياء وأراها مفاوز القهريات وأمرها باقتحامها ، فآوت الأرواح إلى أكناف ألطافه وفرّت منه إليه فطيّرها اللّه عليها بأجنحة السعادة والكفاية ، وعرفها أحكامها وجعل معرفتها لها وسيلة إلى كمال معرفتها بصفاته وذاته ، قال سبحانه : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) [ مريم : 71 ] ، ألا من لم يعرفني بالقهر لم يعرفني باللطف ، ثم فتح أبواب الوصلة بعد نجاة الأرواح من مكر القدم وأحضرها في بساتين وصاله ، وقال : ادخلوا جنة مشاهدتي لا عناء عليكم بعد أنتم أهل بساط كرامتي أفلحتم بكرمي من عذابي أبدا . ثم وصفهم بزكيات الأعمال وسنيات الأفعال وعلامة لسبق عنايتهم وسمة لقبول طاعتهم في كتابه القديم حيث لم يكونوا موجودين فقال : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ( 2 ) [ المؤمنون : 1 ، 2 ] ، جمع أوصافهم في هذه الآية تشريفا وتوفيقا لهم ، وقال عليه السلام : « إن اللّه خلق الخلق في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ » « 1 » ، فلذلك أقول : جفّ القلم على علم اللّه ، أظهر عليه السلام وجه فلاح الصديقين والمؤمنين ولا تغير يا أخي ما ترى من عجائب التغيرات من أولياء اللّه فإني سمعت أنّ يوسف بن الحسين رحمة اللّه عليه ذكر فقال : خدمت سبعين حبرا أصغرهم ذو النون فقالوا كلهم لي لا نفلح أبدا فذكر هذه الحكاية كل وقت وبكى ، فسئل عن الشيخ أبي عبد اللّه بن خفيف بم بكاؤه قال : ترحما عليهم كيف أخطأوا في فراستهم ، قال العارف : أصل الفلاح نسيان الدارين في مشاهدة القديم الأزلي السرمدي لأن من وصل إليه لم يهلك أبدا . الفصل السادس عشر : في التهديد التهديد حراسة اللّه سبحانه وتعالى عباده المصطفين عن مساوي الآثام وسراق الشيطان وغوائل الطغيان لئلا يباشر العبد معصيته فيحجب عن مشاهدته ووصلته وكل وقت يكون دليلا بين يدي عظمته ليعرف به خصائص العبودية وعجائب الربوبية ويصير مهذبا عن أوصاف البشرية منورا بنور جلاله وجماله ، قال تعالى : وَارْتَقِبُوا إِنِّي
--> ( 1 ) أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، الأصل السابع والثمانون والمائتان [ 4 / 199 ] وأبو العلا المباركفوري في تحفة الأحوذي ، رقم ( 2495 ) [ 7 / 166 ] .